كتابات وآراء


الجمعة - 01 يونيو 2018 - الساعة 02:56 ص

كُتب بواسطة : صالح ابو عوذل - ارشيف الكاتب


ذات ليلة من ليالي رمضان التقيت صديقي الذي عاد من جمهورية مصر العربية، التي زارها للعلاج. سلمت عليه، وتناولنا العشاء معا في احد مطاعم العاصمة عدن.
واثناء تناول العشاء، أخذني الفضول الصحفي الى سؤال صديقي عما شاهده في مصر العربية التي لم يسبق لي ان زرتها وأخبرته اني اتمنى ان ازورها، والتقي بالعديد من الاصدقاء والاخوة المصريين الذين تعرفت عليهم من خلال "السوشيال ميديا" او من خلال لقاءات جمعتني ببعضهم في الإمارات والاردن.
قال لي صديقي "تعرف يا صالح ايش الذي يميز المصريين عن بقية مواطني الدول العربية؟".
قلت له : "ماذا؟".
اجاب "المواطن المصري يا عزيزي وطني، يحب وطنه حد النخاع، يعني ممكن يتنازل عن الكثير من حقوقه الخاصة لكنه لا يمكن ان يخون وطنه، يقول لك دي مصر أمنا وام الدنيا، المواطن المصري يعشق وطنه، وكل مواطن مصري يشوف نفسه هو الرئيس وهو الضابط وهو الخائف على أمن واستقرار مصر، يحبون الجيش المصري، ويرون فيه الحارس الأمين لوطنهم، اندهشت من حب المصريين لبلدهم، انها مصر فعلا واهلها طيبون يعشقون بلادهم، ويقدسون جيشهم".
وروى لي الكثير من القصص التي حكاها له مواطنون مصريون وكيف ان مصر بالنسبة لهم خط أحمر.
أحسست من حديث صديقي انه مندهش من حب المصريين لبلادهم، رغم حالة الفقر التي يعانيها جزء كبير من المصريين، لكن "دي مصر" هي العبارة التي تجعل المواطن المصري يشكر الله على أن مصر بخير و100 مليون مصر وعربي عايشين هناك بخير.
واثناء الحديث، سألت صديقي بفضول "ماذا عن اليمنيين والجنوبيين المتواجدين في مصر كيف عايشين ومن يصرف عليهم؟".
ضحك ضحكة طويلة، حتى فكرت بتغيير الموضوع والحديث عن موضوع اخر، لكنه اجاب "يا اخي اكتشفت شيئا، فين يروح اغلب قيادات ونشطاء الحراك الجنوبي والقيادات الجنوبية".
"نورني الله ينور عليك"، قلت له. رد "هناك حرمة كبيرة في السن كانت تشتغل في عدن، ضمن أمن الدولة الذي كان يقوده محسن الشرجبي، وهذه الحرمة تقدر تقول عليها انها "الصندوق الأسود" للنظام في الجنوب قبل الوحدة او نظام عبدالفتاح اسماعيل تحديداً، في مصر، ذهبت واستثمرت اموال حوشتها من عدن من اراضي وعقارات وغيره وفتحت لها (كافية)، وهناك يمضي اغلب قيادات الحراك جل وقتهم، ويستمعون إلى قصص وحكايات زمن الاشتراكي (البغيض)، كما يصفه صاحبي.
وحدثني صديقي عن "أحد القيادات الحراكية التي تعودت على التواجد في الكافية بشكل يومي".
تذكرت هذا القيادي الهمام، وهو يدون بشكل يومي مقالات "الاحتلال الإماراتي.. الاحتلال الإماراتي".
وتذكرت رسالة تلقيتها من هذا القيادي يقول لي فيها "نحن لسنا مع احد نحن نطالب بالحرية فقط".
اي حرية يا راجل وانت تستقي المعلومات والافكار ممن تربوا على ما قال "لينين وماركس" واجرموا بحق الجنوبيين كثيرا.
قرأت مقالة لهذا القيادي الحراكي الذي يرأس مكونا مدنيا لا احد يعرف عنه شيئا، فقط يعرفه بعض الناس من خلال وضع اسمه في اخر كل مقالة يكتبها.
ولأن البعض يمارس (الإغواء السياسي، مصحوبا بتبريرات سمجة، وعبارات الغزل المائع)، فإنه من السهل على اولئك ان يقولوا "جربوني، أنا لكم".
ولأن الحديث عن الخيانة والعمالة، التي كان يسوقها من يقولون عن أنفسهم انهم وطنيون، فإن تبريراتهم تؤكد وبما لا يدع مجالا للشك انهم (ليسوا وطنيين ولا علاقة لهم بالوطنية)، واذا اردنا دليلا فعلينا أولا فهم معنى الوطنية الحقيقية، ومن هم الوطنيون الحقيقيون؟.
وصف الكاتب الذي يستمد افكاره من صندوق الاشتراكي الاسود "الحرب التي شنها الحوثيون على الجنوب بأنها منذ أول يوم للتحالف العربي"، وهذا غير صحيح، فالحرب بدأت منذ 19 مارس (آذار) 2015م، اي قبل نحو اسبوع من انطلاق عاصفة الحزم، وتحديدا منذ ان اعلن عبدالحافظ السقاف التمرد على القرار الجمهوري الذي اصدره الرئيس هادي.
وحتى لا نقول انه سقط في وحل العمالة لدولة إقليمية معادية، فعلينا فهم لماذا وصف معركة تحرير الحديدة بأنها معاناة جديدة للشعب اليمني وبأنها تستهدف عدالة القضية الجنوبية، التي لطالما جعلها هذا الشخص سلما لتبرير هجومه على المجلس الانتقالي الجنوبي.
منذ أشهر يسوق لوجود خلاف جنوبي جنوبي، وهو ما جعل أحد اصدقائه يخرج للقول "نحن مش ضد التحالف نحن ضد بني جلدتنا الجنوبيين"، وهنا يجرد مثل هؤلاء انفسهم من معنى الوطنية.
فالوطنيون يا عزيزي هم من يقفون على مبدأ واحد، ويعملون من اجل وطنهم مهما كانت المتغيرات، ولا تصدق من يقول "إن السياسة فن الوصول إلى الممكن"، فمن يقف في صف طرف اقليمي هو في الاساس معادٍ لوطنه، ويعتقد ان ذلك من باب النكاية، لأي تحالف للجنوبيين مع اي طرف اقليمي اخر.
من يتحالفون اليوم مع معسكر (قطر، تركيا، إيران)، يهاجمون القوى الجنوبية الفاعلة على الأرض ويرون ان اي تحالفات تقوم بها هذه الاطراف مع التحالف العربي فيها خيانة لدماء الشهداء وللقضية الجنوبية وينتهك السيادة اليمنية، المنتهكة أصلا لسيادة الجنوب.
كل العالم قائم على اساس مصالح وكل دولة تعاني من مشاكل وحروب بحاجة الى حاضن اقليمي ودولي يساعدها على النهوض، وهو ما يحتاجه الجنوبيون لتواجد الإمارات ضمن التحالف العربي.
قلنا منذ اليوم الأول "إن التحالف العربي هو مشروع عربي اعاد للأمة العربية كرامتها وعزتها، كنا ولا زلنا نثق في الاشقاء الذين هبوا للدفاع عن سيادة وطن عربي كبير يكون العرب فيه اسياداً انطلاقا من عدن العراقة والتاريخ وموطن العرب".
ذات يوم قال لي السكرتير الصحفي للرئيس علي سالم البيض، الاستاذ أحمد الربيزي "إنهم في مكتب الرئيس البيض كانوا حريصين على ارسال التهاني في المناسبات لقادة وزعماء الخليج، في كل مناسبة، وكانوا يحرصون في تلك الرسائل على مطالبة الأخوة في الخليج بالوقوف إلى جانب الأشقاء في الجنوب".
يقول الربيزي "نحن ندرك ان مصيرنا في الجنوب والخليج واحد، وقد جاءت عاصفة الحزم لتوحد الجميع تحت رايتها في معركة مصيرية كان ولا يزال فيها الجنوبيون الرقم الصعب"؛ انتهى حديث الربيزي.
كان الحوثيون يحاصرون عدن ويمطرون الاحياء بالقذائف، فدفعت الإمارات بترسانة اسلحة عسكرية ومدرعات وقوات على الأرض استطاعت هذه القوات ان تحقق انتصارا كبيرا، وأصبح الجنوب بفضل الله ومن ثم بفضل الاشقاء محررا لأول مرة منذ العام 1994م.
كان من المفترض ان يقف الجنوب كله مساندا لهذه الجهود الجبارة التي تقوم بها دولة الامارات العربية المتحدة، ولكن للأسف البعض انجر وراء الخطاب العدائي لبعض الدول التي تناهض التحالف العربي او التي تدخل التحالف العربي لمحاربة حلفائها المحليين.
كانت قطر أول من تمرد على التحالف العربي ودخلت في خصومة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك في اعقاب الحملة الأمنية التي دشنت لتأمين الجنوب من خطر الجماعات الإرهابية التي تقول دول التحالف العربي ان الدوحة متورطة في دعمها ماليا وعسكرياً.
فهل من الوطنية ان تقف ضد مصلحة من يحارب الى جانبك لتأمين حياتك وحياة اسرتك.. هل من الوطنية ان نطالب الإمارات العربية المتحدة بالتوقف عن محاربة التنظيمات الإرهابية؟!.
السؤال هنا: ماذا قدمت قطر للجنوب منذ 30 عاماً. دعمت نظام صنعاء في الحرب العدوانية الأولى على الجنوب، استغلت قضية الجنوب ومعالجتها لإدخال أموال الى اليمن بدعوى تعويض الجنوبيين وهي مبلغ 350 مليون دولار أمريكي، وانشأت صندوقا لمعالجة اثار الحرب العدوانية المدمرة.. اين ذهبت تلك الأموال؟. الجميع يعلم أن من استلمها هو الوزير الإخواني محمد السعدي الذي استثمر جزءا منها في الطاقة الكهربائية التي تباع للجنوبيين بضعف سعرها، بينما ذهب الجزء الاخر لتمويل جماعات العنف المسلح في الجنوب.
ذات مرة، سألني صديقي العزيز قادري عثمان، بحضور العزيز مروان مفرق واخرين "لماذا الإمارات غير قادرة على بناء محطة كهربائية في عدن؟".
قلت له ان المشكلة ليست في الإمارات، بل في الحكومة التي تعرقل ذلك، بعد التحرير كانت الإمارات تنوي عمل شركة اتصالات خاصة بعدن، فعرقلت الحكومة ذلك، كانت الإمارات تريد بناء محطة تلفزيونية خاصة بعدن، وقد حضرت اجتماعا عقد بعد شهر من تحرير عدن بين مسؤولين إماراتيين واخرين من قناة عدن، وقد رحب الإماراتيون حينها بدعم انشاء قناة باسم تلفزيون عدن، ولكن الحكومة اليمنية رفضت ذلك بدعوى خوفها من "اذاعة البيان رقم واحد".
عرقلت الحكومة بناء محطة كهربائية لعدن وذلك من اجل الاستمرار في استثمار الكهرباء الخاصة برجال اعمال يعرفهم الجميع.
عرقلت الحكومة الكثير من المشاريع، الخدمية، وحين سئل وزير الخارجية في الحكومة عبدالملك المخلافي حول السبب في عدم نهوض عدن، خرج ليقول "نحن من نعرقل ذلك حتى لا يذهب الجنوب نحو الانفصال"، واعتقد ان الجميع شاهد بأم عينه تلك المقابلة التي انتشرت على نطاق واسع.
استغلت القوى اليمنية بعض الادوات في عدن لإثارة الفوضى في المدينة، من أجل عرقلة النهوض بعدن، التي تعاني الأمرين، رضي البعض ان يبيع ضميره والقبول بالفتات، مقابل تدمير عدن.
حين خرجت الناس تندد بفساد الحكومة التي يرأسها (غير الشرعي) أحمد عبيد بن دغر، أطلقت الحكومة مرتزقتها لفتح جبهات أخرى.
حاولت دول التحالف الحفاظ على العملة المحلية من الانهيار، فكانت الحكومة تمتلك ادواتها لمهاجمة دول التحالف العربي، وحين يتم الافراج عن تلك الأموال يخر الريال اليمني صريعا وتنعدم العملة الصعبة من السوق.
حين قررت الحكومة صرف رواتب العسكريين والأمنيين، قام قادة المعسكرات بمقاسمة كل الجنود رواتبهم التي تأتي كل أربعة اشهر، (نص لي ونص لك)، والبعض يلهف رواتب بالكامل، وفي اليوم التالي يجر هذه الأموال المنهوبة صوب مراكز الصرافة، ويسقط الريال مرة أخرى.
حين طالب تاجر النفط بأموال قال انه قدمها اثناء الحرب للجبهات، قالت له الحكومة "مش قادرين ندفع لك، ولكن ممكن تبيع البترول بالضعف وتأخذ حقك من ظهر هذا الشعب"، لكن من يدعون الوطنية لا يستطيعون الحديث عن هذا الامر، لأن التاجر ممكن يزعل وبعدين يزعل بن دغر والبكري والأحمر، وممكن ايضا تغضب موزة!.
تجاهد دولة الإمارات للنهوض بعدن والجنوب، تغيث السكان وتعالج الجرحى وتقوم بشراء منازل لأسر تعيش في العراء بعد ان دمرت الحرب منازلهم، فيما يقوم هؤلاء بالاستماع الى ما يردده الإعلام القطري ويسيرون خلفه، منتظرين الوعود القطرية والتركية، التي لم ير الجنوب منها غير "كاتم الصوت، وعلب الفول منتهية الصلاحية".
إن الوطنيين هم من يقفون في مصلحة وطنهم، لا ان يناهضوا من يعمل على الأرض مقابل مال او وعود لن يجني الجنوب منها سوى الدمار والخراب، و الوطنية الحقيقية ببساطة هي وضع مصلحة الوطن فوق كل شيء، وفوق كل اعتبار".

وإلى لقاء.