كتابات وآراء


الأربعاء - 31 أكتوبر 2018 - الساعة 10:38 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس النقيب - ارشيف الكاتب


أثار وصول الحكومة اليمنية إلى عدن لغطاً كبيراً في الأوساط الإعلامية بين مرحبٍ ومستنفرٍـ بين متفائلٍ ومتشائمٍ، وبين معترضٍ كلياًعلى وجود الحكومة ومؤيدٍ لها حتى بلا شروط.

لو أن لدينا وضعاً طبيعياً مثل كل بلدان العالم، لكان غياب الحكومة عن البلد والعاصمة هو الأمر الغريب والمثير للجدل وليس حضورها، لكن لأننا استثناء في كل شيء فقد أصبح وصول الحكومة إلى عدن (وليس غيابها لسنوات) خبراً يستحق التوقف والتنازع والتعليق والنقاش على صفحات الصحف وأثير المحطات الإذاعية والمواقع الإلكترونية والفضائيات (المحترمة منها والتافهة).

تقول الحكومة على لسان بعض وزرائها أنها عادت لجعل عدن بيئة آمنة لاستقرار الحكومة، وإعادة الثقة إلى المواطن والشروع في إعادة الإعمار ورد الاعتبار للريال اليمني وتوزيع الإغاثات وصرف المرتبات وإعادة الخدمات.

لا يمكن أن تكون تلك القضايا وقضايا أخرى مشابهة مثل حماية حقوق المواطنين، وتوفير الحد الأدنى من الأمن والاستقرار ومحاربة الجريمة موضع جدل، لكن علينا أن نتذكر أولاً أن هذا الكلام كان قد قاله الدكتور بن دغر وجدد التأكيد عليه مرارا عند وبعد توليه رئاسة الحكومة، لكن بن دغر لم يستقر في عدن أكثر من ربع الفترة التي تولى فيها رئاسة الحكومة وهو الذي قضى في عدن معظم شبابه وكهولته وتشرب بثقافة عدن وارتوى من خيراتها، وطبعا لم يف بثُمن أو عُشر ما وعد به بل هرَّب من مخصصات عدن وحدها مليارات الريالات اليمنية لم يعرف مصيرها حتى اللحظة بينما كان أبناء عدن يحتاجون إلى عبارات عملاقة لاجتياز أنهار المياه الملوثة ليعبروا من ضفة الشارع إلى الضفة الأخرى.

وعلينا أن نتذكر ثانيا أن الحكومة الراهنة هي حكومة بن دغر نفسها، لم يتغير فيها إلا الرئيس الذي كان أحد وزائها، ومن السابق لأوانه إصدار الأحكام بشأنه، لكن المؤكد أنه وفي ظل التركيبة الحالية للحكومة وبقاء الوجاهات المافيوية متحكمة في صناعة المخرجات وتوجيه دفة تنفيذها، فإن جرعة التفاؤل ستظل عند الحدود الأقل من الدنيا، ما لم يطرأ تغير عاصف في نظرة الحكومة ورئيسها لمفهوم ومعنى المقاومة والمناطق المحررة وثنائيات الشمال والجنوب، والحرب والسلام، والوحدة وحق تقرير المصير.

ومع ذلك سنرى ماذا سيفعل حضور الحكومة ووزرائها إلى عدن وهل سيستطيعون أن يأكلوا مما يأكل أبناء عدن، وأن يتعالجوا حيثما يتعالج أبناء عدن، وأن يشربوا مما يشرب منه أبناء عدن، وأن يسيروا حيثما يسير أبناء عدن، ويعيشوا كما يعيش أبناء عدن؟

إذا ما فعلوا ذلك فهذا أول مؤشر على جديتهم في التأقلم مع عدن والتحول إلى حكومة قادرة على العيش في عدن، أما إذا كان أحدهم سيسافر لمعالجة أسنانه في أوروبا، واستمرأوا العيش في مجرة المعاشيق لا يربطهم بعدن سوى استخدامهم لمطارها للوصول والمغادرة واستلام الوجبات الجاهزة وتركوا الناس لمعاناتهم المزمنة، فلا نقول لهم إلا ما قلناه عندما كان يرأسهم بن دغر نفسه: أنتم حكومة لشعب غير شعبنا ونحن شعب سنصنع حكومتنا بأيدينا ولو بعد حين!!

ولنا وقفة لاحقة حول الحكومة والقضية الجنوبية.