4 مايو / تقرير: مريم بارحمة
في خطوة تعد من أهم التحولات السياسية في الجنوب، أصدر الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، قرارًا بتشكيل اللجنة التحضيرية لمجلس شيوخ الجنوب العربي. ويعد هذا القرار خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الاستقرار السياسي، وحماية الهوية الجنوبية، وحماية المكتسبات الوطنية، وإرساء قواعد صلبة لتمثيل الجنوب سياسيًا وإداريًا على المستويين المحلي والدولي. وإعادة التوازن إلى المشهد السياسي الجنوبي. كما يهدف المجلس إلى استيعاب القيادات التقليدية، وتوحيد رؤى القيادات التاريخية والقبلية والاجتماعية من أجل توجيه البوصلة نحو مستقبل آمن ومستقر، فضلاً عن إرساء إطار تنظيمي واضح يضمن تحقيق رؤية متماسكة لمستقبل الجنوب.
-أهمية مجلس شيوخ الجنوب
لم يكن قرار تشكيل مجلس شيوخ الجنوب مجرد إجراء إداري، بل هو نتاج ضروري لمجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية التي فرضت الحاجة إلى وجود هيئة استشارية تضم نخبة من الشخصيات الوطنية الجنوبية. ومن أبرز الدوافع التي قادت إلى هذا القرار:
-تعزيز الوحدة الوطنية: يمثل المجلس خطوة نحو توحيد مختلف التيارات الجنوبية تحت مظلة واحدة، مما يعزز التماسك الداخلي ويفتح قنوات حوار أوسع بين مختلف الفئات.
-إعادة الاعتبار للقيادات الجنوبية التاريخية: يعيد المجلس الدور الطبيعي للسلاطين والمشايخ الذين تعرضوا للإقصاء خلال حكم الحزب الاشتراكي، ثم الاستهداف بعد غزو الجنوب عام 1994م.
-تعزيز التمثيل القبلي والاجتماعي: يضمن مجلس الشيوخ إشراك الزعامات القبلية في الهيكل السياسي، مما يعزز اللحمة الوطنية ويحقق تمثيلاً عادلاً لمختلف محافظات الجنوب.
-ضمان الاستقرار والتوازن: يشكل المجلس عامل ضبط للمشهد السياسي، ويمنع أي أخطاء حزبية قد تضر بالمصلحة العامة، ليكون ركيزة توازن بين القوى المختلفة.
-إرساء شرعية سياسية واجتماعية: يضفي المجلس دعماً مجتمعياً أوسع للمجلس الانتقالي الجنوبي من خلال الاعتراف الرسمي بدور القيادات القبلية. ويسهم مجلس شيوخ الجنوب العربي في وضع رؤية مستقبلية لإدارة الدولة الجنوبية القادمة، من خلال تقديم المشورة والتوصيات للقيادة السياسية.
-دعم استعادة الدولة من موقع القوة: بوجود شخصيات مؤثرة، يتم تقوية الجبهة الداخلية، مما يمنح قضية شعب الجنوب ثقلاً سياسياً ومجتمعياً على المستويين المحلي والدولي.
-مواجهة التحديات السياسية والإقليمية: في ظل المؤامرات التي تستهدف الجنوب وقضيته العادلة، يمثل مجلس الشيوخ درعًا سياسيًا واستراتيجيًا لحماية المشروع الجنوبي من محاولات الاختراق والتشويه.
-تمثيل الجنوب دوليًا: وجود مجلس يضم نخبة من القادة الجنوبيين المخضرمين يعزز الموقف التفاوضي للجنوب في أي محادثات سياسية مستقبلية.
-تعزيز المصالحة الوطنية: يسهم المجلس في تجاوز الانقسامات السياسية وإشراك مختلف القبائل، مما يعزز اللحمة الجنوبية ويقلل النزاعات الداخلية.
-حماية الهوية الجنوبية: يضمن المجلس الحفاظ على العادات والتقاليد الجنوبية وتعزيزها في بناء مستقبل متماسك ومستقر.
-تهيئة بيئة مناسبة لبناء الدولة: يسهم في بلورة رؤية واضحة لمستقبل الجنوب من خلال مشاركة القيادات التقليدية في صنع القرار السياسي.
-التنسيق مع المجلس الانتقالي الجنوبي: يسهم المجلس في تحقيق انسجام استراتيجي بين القيادات القبلية والسياسية لتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة.
-الجدل حول تشكيل اللجنة التحضيرية
أثار قرار تشكيل اللجنة التحضيرية بعض التساؤلات حول التمثيل الجغرافي لمختلف مناطق الجنوب. وقد أوضح المسؤولون أن اللجنة الحالية ليست القائمة النهائية للمجلس، بل هي هيئة مؤقتة تعمل على وضع الأسس التي تضمن تمثيلاً شاملاً لكافة محافظات الجنوب والشرائح الاجتماعية المختلفة. يهدف هذا الترتيب إلى تحقيق التوازن، ومنع أي محاولات لتهميش أي منطقة.
-دلالات القرار الاستراتيجية
يعد مجلس شيوخ الجنوب أحد أهم الأدوات السياسية في المرحلة الراهنة، حيث يحمل أبعادًا استراتيجية منها:
تحصين الجبهة الداخلية: يمنع القرار استغلال الورقة القبلية من قبل قوى معادية لتفكيك النسيج الاجتماعي الجنوبي.
تقليل التدخلات الخارجية: يحد المجلس من محاولات القوى الخارجية التأثير على مستقبل الجنوب.
تعزيز وحدة الصف الجنوبي: يرسخ القرار مفهوم الشراكة الوطنية ويعزز من التلاحم الجنوبي. وتوحيد الخطاب السياسي والاجتماعي بين مختلف القوى الجنوبية. وتعزيز الحوار الداخلي؛ بهدف حل الخلافات الداخلية ورأب الصدع بين مختلف الأطراف.
صياغة السياسات الاستراتيجية: من خلال تقديم رؤية واضحة حول القضايا الوطنية ومواجهة التحديات.
تهيئة الجنوب لبناء دولة مستقلة: يمثل المجلس خطوة على طريق بناء نظام سياسي مستقر يتماشى مع التجارب الناجحة في المنطقة.
دعم القرار السياسي والعسكري: عبر تقديم المشورة والتوصيات للقيادة الجنوبية. ويسهم في توحيد الكلمة أمام التحديات الإقليمية والدولية، ويبعث برسالة واضحة بأن الجنوب يملك قيادات تاريخية قادرة على إدارة شؤونه.
الحفاظ على الموروث الاجتماعي والسياسي: من خلال تمثيل القيادات التقليدية والقبلية داخل منظومة الحكم.
-التركيبة التنظيمية لمجلس شيوخ الجنوب
يتألف مجلس الشيوخ من شخصيات وطنية بارزة تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية والقبلية، ويهدف إلى أن يكون كيانًا تشاوريًا واستشاريًا يرفد القيادة الجنوبية بالمشورة الاستراتيجية في الملفات الكبرى، مثل الأمن، والاستقلال، والتنمية، وإدارة الموارد الاقتصادية.
-ردود الفعل والمواقف
لقي قرار تشكيل مجلس شيوخ الجنوب ترحيبًا واسعًا بين مختلف شرائح المجتمع الجنوبي، حيث اعتبرته النخب السياسية والعسكرية خطوة بالغة الأهمية لتعزيز الحضور السياسي للجنوب. كما رأى المراقبون أن هذه الخطوة تمثل ضربة موجعة للأطراف التي تحاول تفكيك الجبهة الجنوبية.
في المقابل، لم يخلُ المشهد من محاولات التشويه من قبل القوى المعادية للجنوب، والتي سعت إلى التقليل من أهمية القرار واتهامه بالسعي إلى تكريس سلطة المجلس الانتقالي. غير أن الواقع يثبت أن القرار يعكس تطورًا طبيعيًا في مسار بناء الدولة الجنوبية المستقلة.
-التحديات التي تواجه مجلس شيوخ الجنوب
على الرغم من أهمية مجلس الشيوخ، إلا أنه سوف يواجه تحديات بارزة، أبرزها:
-التدخلات الخارجية: التي تسعى إلى زعزعة وحدة الصف الجنوبي.
-محاولات التشكيك في دوره: من قبل بعض الأطراف التي تخشى توحيد القرار الجنوبي.
التنسيق مع القوى السياسية الأخرى: لضمان انسجام رؤية المجلس مع القيادة السياسية والعسكرية.
-آلية اتخاذ القرارات: لضمان أن يكون للمجلس دور فاعل ومؤثر في رسم مستقبل الجنوب.
-تفعيل حقيقي وتعزيز الدور الوطني
لضمان نجاح مجلس الشيوخ الجنوبي وتحقيق أهدافه، من الضروري العمل على تعزيز دوره كمؤسسة استشارية ذات تأثير حقيقي في صياغة القرارات الوطنية، بما يسهم في رسم السياسات العامة بشكل فاعل. كما أن دعم مجلس الشيوخ إعلاميًا يُعد خطوة أساسية لإبراز أهميته في المشهد السياسي الجنوبي وتعزيز الوعي المجتمعي بدوره المحوري. ومن أجل ضمان استقلالية قراراته بعيدًا عن التجاذبات السياسية، لا بد من وضع آلية تنظيمية واضحة تعزز مصداقيته وفعاليته. وفي إطار تطوير المجلس ليواكب تطلعات بناء الدولة الجنوبية الحديثة، فإن إشراك الشباب والكوادر النسائية الجنوبية في أعماله يمثل ركيزة أساسية لضمان شراكة وطنية متكاملة تسهم في تحقيق الاستقرار وترسيخ أسس الحكم الرشيد.
يعد تشكيل مجلس شيوخ الجنوب العربي خطوة ضرورية لإعادة التوازن وتعزيز الاستقرار، وتصحيح أخطاء الماضي عبر نموذج سياسي متماسك، مما يضع الجنوب على طريق بناء دولة قوية ومستقرة. ومع استمرار العمل على تشكيل المجلس بشكل نهائي، سيكون له دور بارز في رسم معالم مستقبل الجنوب وتحقيق التطلعات الوطنية. ضرورة تعزيز دور المجلس وتفعيله كمؤسسة استشارية ذات تأثير حقيقي في القرارات الوطنية الجنوبية.